اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
405
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الفصل الخامس عشر موسوعات عصر المماليك - أسفار ابن بطوطة وكد القرن الرابع عشر تفوق مصر الفكري بوجه عام لا في ميدان الأدب الجغرافي وحده ، فنحن نلتقى في العصر المملوكى بأدب حافل قل أن نجد له مثيلا في أي بلد من بلدان الشرق الأخرى 1 . وقد تعرفنا حتى الآن على عدد من المصنفات الجغرافية المتعلقة بمصر كما أننا سنتحدث عن أخرى غيرها ؛ بيد أنها ليست هي التي تكسب الأدب الجغرافي لهذا العصر طابعه المميز فإن شرف ذلك يرجع إلى نمط الموسوعات التي ازدهرت في تلك الآونة والتي أفرد فيها للجغرافيا على الدوام مكانة مرموقة ، وهي التي تترك طابعها المميز بوضوح على القرنين الرابع عشر والخامس عشر وتعتبر خير ما أنتجه ذلك العصر . أما من وجهة نظر التاريخ الأدبي فإن الموسوعات تنتمى إلى طراز مصرى صرف من المؤلفات الوصفية التي وضعها عمال وعلماء حكومة عصر المماليك ؛ ويجب أن يضم إليها عدد من الأوصاف المستقلة في جغرافيا مصر والشام وإدارتهما 2 مما حدث وأن عالجنا الكلام عليه من قبل وسنعرض له حين الحديث على القرن الخامس عشر . وكنمط أدبى فإن هذه الموسوعات وليدة تاريخ طويل معقد فهي ترتبط بعض الشئ بتلك المجموعات التي وضعت في الإدارة والجغرافيا والمعروفة لنا من القرنين التاسع والعاشر ، ولكنها تختلف عنها في أنه قد قصد بها دائرة أوسع من القراء . وعلى الرغم من أنها عملت أساسا من أجل كتبة الدواوين الذين كانوا زينة الجهاز الكتابي والإدارى لمصر آنذاك إلا أن جميع المثقفين قد اهتموا بمطالعتها ، مما جعل مؤلفيها يولون اهتماما كبيرا للأسلوب الأدبي . وهي بلا شك أوسع مجالا من المؤلفات السابقة لها ، كما أنها تعالج مسائل أعم وأكثر شمولا في جميع فروع العلوم التي يريد المؤلف أن يعرف بها . ولا تقف أهميتها عند حد الجغرافيا وحدها بل إنها بنفس القدر تولى اهتمامها أيضا إلى التاريخ والحضارة 3 ؛ وهي وإن كانت لا تخلو من بعض الصلة - - بمصنفات الجغرافيا المبكرة إلا أنها إلى جانب هذا قد خضعت لتأثير قوى من ناحية المصنفات الكوزموغرافية للقرن الثالث عشر بحيث تستعير أحيانا طريقة تبويبها . والاختلاف الجوهري الذي يميزها عن غيرها هو أن هدفها الأول لم يكن الإعلام بل الأدب الفنى ، كما أن مؤلفيها لم يروا في أنفسهم علماء بل كتّابا ، أعنى كتّابا من موظفى ديوان الإنشاء كل زادهم هو بعض الخبرة في الشؤون الكتابية . وقد أدت وحدة الوسط الذي نشأت فيه الموسوعات إلى تشابهها في الترتيب ، وهو ترتيب يعكس أحيانا بوضوح تام أثر التدريب الصارم في الشؤون الكتابية .